الاثنين 7 سبتمبر 2026 | 09:54 ص

الصين توسع خيارات مصر لامتصاص ضغوط الحرب


تجد مصر نفسها في واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية حساسية، حيث تتقاطع تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية مع مصالحها المباشرة في الطاقة والملاحة والتجارة، في وقت تدفع فيه القاهرة بعلاقاتها مع الصين إلى مستوى أكثر اتساعاً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

وتأتي هذه المعادلة في توقيت بالغ الدقة. فالتصعيد في مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد مخاطر النقل البحري، بينما تواجه قناة السويس تحدياً مستمراً نتيجة اضطراب حركة الملاحة الإقليمية. وارتفع خام برنت اليوم إلى نحو 97 دولاراً للبرميل مع تصاعد المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع حركة ناقلات النفط عبر هرمز.

بالنسبة إلى القاهرة، لا يتعلق الأمر فقط بأسعار الطاقة. فكلما طال اضطراب طرق التجارة، زاد الضغط على موارد النقد الأجنبي وعلى أحد أهم مصادرها، وهو عائدات قناة السويس.

تملك مصر موقعاً يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في الممرات البحرية. فهرمز يمثل شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، بينما تمثل قناة السويس الحلقة الأساسية التي تربط طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

ومع استمرار الحرب، يصبح أي ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين أو تحول السفن إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح عبئاً إضافياً على الاقتصاد المصري. وقد أدت تداعيات الحرب بالفعل إلى تراجع كبير في إيرادات قناة السويس مقارنة بمستويات ما قبل الأزمات الإقليمية.

وتزداد حساسية الوضع مع ارتفاع أسعار الوقود. فالحرب لا تضغط فقط على حركة السفن، وإنما ترفع كلفة الطاقة والنقل والإنتاج في وقت تحاول فيه القاهرة الحفاظ على استقرار الاقتصاد وتوفير احتياجاتها من النقد الأجنبي.

وهكذا، تتحول الحرب بالنسبة إلى مصر إلى معادلة مزدوجة: ممرات بحرية مضطربة من الخارج، وفاتورة طاقة وتمويل أكثر صعوبة من الداخل.

في المقابل، تبدو الصين بالنسبة إلى القاهرة أكثر من شريك اقتصادي. فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في بداية سبتمبر حملت رسالة تتجاوز الاحتفال بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية، إذ اتفق البلدان على تعميق التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والطاقة.

وخلال الزيارة، اتفق البلدان على إطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يشمل قطاعات مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والمنسوجات والكيماويات. كما اتجها إلى توسيع التعاون المالي واستخدام العملات المحلية في التجارة.

وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية استثنائية في ظل الأزمة الحالية. فالقاهرة لا تنظر إلى الصين فقط باعتبارها مصدراً للاستثمار، وإنما باعتبارها شريكاً يمكن أن يساعدها على توسيع قاعدة علاقاتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على مسار واحد في التمويل والتجارة والاستثمار.

المفارقة أن الحرب التي تهدد حركة التجارة عبر قناة السويس تأتي في وقت تعزز فيه الصين حضورها داخل المنطقة الاقتصادية المرتبطة بالقناة.

لا يتعلق الأمر فقط بأسعار الطاقة. فكلما طال اضطراب طرق التجارة، زاد الضغط على موارد النقد الأجنبي وعلى أحد أهم المصادر، وهو عائدات قناة السويس
وهذا يمنح العلاقة بعداً استراتيجياً. فالقناة ليست مجرد مصدر لإيرادات مصر، بل موقعاً يمكن أن يصبح منصة للتصنيع والتصدير وإعادة التصدير بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.

وتشير المعطيات التي رافقت زيارة شي إلى وجود نحو 200 شركة في المنطقة الصناعية الصينية واستثمارات تقارب أربعة مليارات دولار، مع إطلاق مرحلة جديدة من التوسع.

وبالتالي، تراهن القاهرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى أصل اقتصادي طويل الأمد، بينما ترى بكين في مصر عقدة مهمة على واحد من أهم طرق التجارة العالمية.

لكن توسيع الشراكة مع الصين لا يعني أن القاهرة بصدد التخلي عن علاقتها بالولايات المتحدة.

الأقرب أن مصر تتحرك وفق سياسة تنويع الخيارات. فهي ما زالت مرتبطة بواشنطن بعلاقات عسكرية وأمنية واستراتيجية عميقة، لكنها في الوقت نفسه توسع تعاونها مع الصين وروسيا وأوروبا، بما يمنحها مساحة أكبر للمناورة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل النقاش المتزايد حول مستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط. فقد ربطت تقارير عدة زيارة شي للقاهرة بإعادة ترتيب موازين النفوذ الإقليمي، وبسعي بكين إلى تقديم نفسها كشريك قادر على المساهمة في صياغة ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة.

لكن القاهرة تبدو أكثر حذراً من الدخول في سياسة محاور. مصلحتها الأساسية هي الحفاظ على علاقاتها مع القوى الكبرى مع زيادة قدرتها على المناورة بينها.

وهنا تكمن أهمية التقارب المصري الصيني في المرحلة الحالية. فالحرب تضغط على مصر من خلال النفط والملاحة والتجارة، بينما تمنحها الشراكة مع الصين فرصة لتوسيع مصادر الاستثمار والتكنولوجيا والصناعة.

ولذلك، فإن الرهان المصري ليس على الصين كي تحل محل الولايات المتحدة، بل على أن تكون جزءاً من شبكة أوسع من البدائل.

ومع استمرار الحرب واضطراب الممرات البحرية، تصبح هذه السياسة أكثر إلحاحاً. فالقاهرة تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد، وأسواق جديدة، وتمويل أقل تعرضاً للصدمات، وشركاء يمكنهم المساهمة في تطوير قطاعات إنتاجية داخل مصر.

في المقابل، تحتاج الصين إلى مصر بسبب موقعها في قلب طرق التجارة العالمية، ودورها في قناة السويس، وثقلها السياسي والعسكري في المنطقة.

وبذلك تلتقي مصالح الطرفين عند لحظة إقليمية استثنائية: الحرب تضيق الخيارات المصرية، لكن صعود الشراكة مع الصين يمنح القاهرة خيارات إضافية لاستخدام موقعها الجغرافي والسياسي كورقة قوة، لا مجرد مصدر جديد للتعرض للصدمات.

استطلاع راى

هل تتوقع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران والولايات المتحدة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6329 جنيه مصري
سعر الدولار 50.87 جنيه مصري
سعر الريال 13.46 جنيه مصري
Slider Image